اسماعيل بن محمد القونوي
13
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( تتقلبون فيه لتحصيل ما تعيشون به ) هذا لازم لكونه وقت معاش وإشارة إلى أن المعاش بمعنى التعيش وهو ما يكون به قوام البدن وبقاء حياته من المآكل وغيره من الحوائج وقيل التعيش وهو التقلب في تحصيل أسباب المعيشة والدنيا معاش لأنها مكان العيش والنهار معاش لأنه زمان العيش انتهى ولا يخفى أنه مخالف لما ثبت في اللغة ولا يلائم قول المص لتحصيل ما تعيشون به . قوله : ( أو حياة ) بالجر معطوف على قوله معاش فإن معاشا كما يجيء بمعنى التعيش يجيء أيضا بمعنى الحياة نقل عن الجوهري أنه قال العيش الحياة يقال عاش فلان مدة كذا انتهى فهو إما حقيقة فيكون المعاش بمعنى التعيش مشتركا بين المعنيين اشتراكا لفظيا أو مجازا بإطلاق اسم السبب على المسبب فإن كتب اللغة مشحونة بالمجاز وهذا التفسير ناظر إلى تفسير السبات بالموت وإن كان الموت هناك مجازا والحياة حقيقة هنا كما أن التفسير بالحركة لتحصيل الخ ناظر إلى تفسير السبات بالقطع عن الإحساس والحركة فيكون إشارة إلى أن بين قوله تعالى : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً [ النبأ : 9 ] وبين قوله تعالى : وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [ النبأ : 11 ] صنعة المطابقة كما بين قوله : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً [ النبأ : 10 ] وبين قوله : وَجَعَلْنَا النَّهارَ [ النبأ : 11 ] أيضا كذلك وإنما قدم الليل لأنه مقدم على النهار وجودا وأعيد الفعل لأن الجعل في كل موضع مغاير للآخر باعتبار متعلقه . قوله : ( تنبعثون فيه عن نومكم ) ولما فسر المعاش بالحياة مقابلة للسبات بمعنى الموت عبر عن اليقظة بالانبعاث قوله فيه أي في النهار وفيه تنبيه على تقدم وجود الليل . قوله : أو حياة تبعثون فيها عن نومكم وفي الكشاف لما جعل النوم موتا جعل اليقظة معاشا أي حياة راعى المطابقة والتقابل بين قوله : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً [ النبأ : 9 ] وبين قوله : وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [ النبأ : 10 ] والمطابقة الحقيقية في وجعلنا يقظتكم حياة فوضع موضع اليقظة النهار لأنها تقع فيه غالبا ووضع موضع حياة معاشا لأن المعاش إنما يكون بالحياة فبقي قوله : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً [ النبأ : 10 ] جملة مستطردة بين القرينتين لذكر النوم في القرينة الأولى هذا إذا جعل السبات بموت الموت وأما إذا جعل بمعنى الراحة على ما قال الزجاج السبات أن ينقطع الحركة من بدنه في النوم أي جعلنا نومكم راحة يكون قوله : وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً [ النبأ : 8 ] قرينة لقوله : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً [ النبأ : 9 ] لا قوله : وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [ النبأ : 11 ] فحينئذ يكون التطابق والموافقة بين القرينتين الأوليين لأن القرينة الثانية مع القرينة الأولى متناسبتان فإن أكثر استمتاع الزوجين في حال النوم والراحة وكذا يكون بين القرينتين التاليتين للقرينتين الأوليين أعني بين قوله : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [ النبأ : 10 ، 11 ] تناسب وتوافق أيضا لأنهما تكونان مثل قوله سبحانه : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [ القصص : 73 ] يؤيده قول الزجاج وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً [ النبأ : 10 ] أي لتسكنوا فيه وجه التأييد هو تناسبهما تناسب المقابلة من حيث السكون والحركة أو من حيث الاستراحة التعب .